عبد الوهاب الشعراني

587

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

( فإن قيل ) : يد الكافر إذا قطعت وآمن هو لوردت لكانت تشهد عليه بالكفر وهو مؤمن ؟ ( فالجواب ) : إن شهادة الأعضاء في القيامة بالمعاصي والطاعات لا بالكفر والإيمان لقوله تعالى في الآية بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ يس : 65 ] إذ الإيمان يتعلق بالقلب لا بالأعضاء الظاهرة فلم يقل بما كانوا يعتقدون وهذا جواب الشيخ أبي طاهر القزويني رحمه اللّه وتقدم كلام الشيخ محيي الدين فيه أوائل المبحث . قال الشيخ أبو طاهر : والعجب كل العجب من إنكار الفلاسفة الحشر والنشر وهل الحشر إلا إعادة أجزائه في الآخرة على مثال ما كان اللّه تعالى يعيدها في الدنيا حالا بعد حال أليس الشيخ الكبير في الدنيا هو الذي كان كهلا وقبل الكهولة كان شابا وقبل الشبيبة كان صبيا وطفلا وقبله جنينا وهو في هذه الأطوار إنسان واحد بعينه بلا شك ولا اعتبار بتلك الأجزاء المتبدلة هناك كما لا اعتبار بها ههنا بل تكون الأجزاء قليلة كانت أو كثيرة تابعة للذرة التي خلق منها أولا وأيضا فلا يبعد عن قدرة اللّه تعالى أن ترد جميع الأجزاء التي تعاورت على تلك الذرة أيام عمره ولكنه سيلطفها ويلززها فلا يكون الشخص متجاوزا عن الحد والقدرة متسعة الإمكان كائن ولكن الظاهر ما بيناه هذا غاية الكلام في هذه المسألة . ( فإن قيل ) : فما الحكمة في أن اللّه تعالى يقبض أرواح العباد ثم يردها إليهم يوم المعاد وقد خلقهم لأبد الآباد فهلا استدام حياتهم أبدا من غير موت ؟ ( فالجواب ) : لو أنه فعل ذلك كان خارجا عن الحكمة وهو تعالى أحكم الحاكمين ولكنه أماتهم في دار الفناء ليبقيهم بقاء الأبد في دار البقاء من وجوه منها أن رقعة هذه الخطة الغبراء التي هي الربع المسكون من الأرض بالنسبة إلى أجساد بني آدم جميعا صغيرة لا سيما القدر المعمور منها فكانت لا تسعهم ولا تفي زروعها وأثمارها بأقواتهم التي هي سبب معاشهم وفي الحديث : « إن اللّه تعالى لما استخرج الذر من صلب آدم امتلأ وجه الأرض منهم فقالت الملائكة الهنا قد امتلأت الأرض منهم وهم ذرات فكيف تسعهم إذا تممت خلقهم فقال تعالى إني كلما آتي بقوم أميت آخرين » ومنها أن القبور برزخ الأجسام والصور برزخ الأرواح كما مر وللّه تعالى في البرزخين إنشاآت خفية لأجسادهم وأرواحهم يصيرها بها قابلة للبقاء الأبدي ولا يعلم كيفية ذلك إلا اللّه تعالى كما قال تعالى وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ [ الواقعة : 61 ] ومنها أنه